قهوة حميدو الفارس والطفل العاق

                                                        

          قهوة حميدو الفارس والطفل العاق 

إنبسطت الارض الجديدة على الشاطئ وكانت أعرض ما تكون وأجمل ما تكون على المينا الشرقية التى أصبحت على ما فيها من حفائر وحصية متنزهات للمدينة.

وبادر أحد الأذكياء فبنى عليها قاعة سينما أقرب ما تكون الجراج ولكنها جذبت الجماهير ومشت إليها بنات بحرى ملتفاة بملاءاتهن الشهيرة يتبخترن فى حذر.

وجرت على الأرض الجديدة مباريات فى كرة القدم أقامها طلبة المدارس وتألفت على أثرها فرق من الفتوات كل منها تنتصر لمدرسة وتهتف لأبطالها وتشتم أعداءها

هنا فتح حميدو الفارس قهوته ونثر موائدها وكراسيها على مساحة كبيرة من الأرض الجديدة ،وأشترى لها مجموعة من النارجيلات( الشيشة )  ذات المباسم الكهرمانية وزودها بالصوانى النيكيلة وفناجين البورسلين كأحسن مقهى أوربى فى الأسكندرية

وما من فتوة  كان فى الأسكندرية إلا وكان يملك قهوة تحمل إسمه ويباشر فيها أعماله الأخرى وفيهم من أشترى الاملاك من قهوته وفيهم من كف عن الشر واكتفى بالرزق الحلال وأصبح حاجا ملتحيا

وها هو حميدو الفارس يكمل هذا النقص ويمضى يومه جالسا على كرسيه والشيشة امامه، ولكن أين الزبائن

كان مجرد جلوسه منفرا للناس من عابرى السبيل والمتنزهين كانوا ينظرون إليه ويتهامسون ويستعيذون بالله من شياطين الإنس والجن.

ولكن حميدو لم يهتم بإعراض الناس عنه ، ولم يهتم لرؤية موائده  شاغرة ، بل كان يعجبه أن يخلوا برؤساء المهربين ورجال عصابته بحرية وفى منأى عن أعين الحسدة والمنافسين ، وفى هذا القهوة وقعت كارثة هزت المدينة بأسرها

جنازة حى

بات الوالدان يسألان عن وحيدهما الطالب ،فلم يعثروا له على أثر، هل إستحم فغرق ؟هل تبع زفة فضل طريقه؟ هل. وهل؟ وهل؟ إنه طفل يخوض فى الرابعة عشرة من عمره ، فيه جمال الشباب اليافع  ونضرة الرغد والنعيم وجهل الطفولة الغريرة

ذهل الاب عن الوجود واحترق كبد الأم...وبعد أسبوع جاء من يقول:

-          إبنكم عند حميدو الفارس ....فى القهوة اللى على البحر

طار الرجل الى ولده فوجده جالسا على كنبة المعلم فى داخل القهوة وفى يده مبسم الشيشة يشنف منه بصعوبة، وقد وشم على أحد يديه أسدا ممسكا سيفا وفى الاخرى ثعبانا يلتف حول نفسه.

وحار الاب فى الامر هل يحتضن ولده ويقبله فرحا بلقائه بعد حسرات تجرعها أم يقتله ليتخلص من عار لا يمحى ..

فقال بتعمل ايه هنا يا ولد ؟

كان حميدو ينظر للرجل وينتظر ما يقول ، فرد على السؤال:

-          هو ايه اللى بيعمل ايه ؟ قاعد زى الباشا أهو أنت عاوز ايه منه

-          فقال الرجل : أنا أبوه يا سي حميدو.....

-          فأجاب الطفل: لا مش أبويا ولا نعرفك؟

-          طب تعالى كلم أمك

-          ماهيش أمى ولا نعرفها ...عاوز ايه كمان؟

-          وطالت المشادة بين الوالد وابنه الذى كان يجيب على كل سؤال بجراة ووقاحة

-          أنا ما نحبش الا حميدو،،ولا ننامش إلا عند حميدو ...حميدو خلانى راجل

-          وهجم الرجل على ابنه وجره من ذراعه ، فقام حميدو وربت على ظهر الوالد وقال:

-          إسمع يا عم ده مش عيل صغير ، ده راجل زى وزيك وبالغ ومترشد وكل حاجة ..اخرج من هنا احسن لك

-          ودفع الرجل بعنف الى خارج القهوة والابن يضحك ...!!!

إنعقد مجلس من رجال العائلة ليتشاوروا فيما يجب عمله؟

ليس فى البلاد قوانين لحماية الطفولة ، وسن الرشد فى الشريعة 14 عاما وقد أوشك الطفل على بلوغها، والبوليس يتقى شر حميدو الفارس

وظهرت فكرة لكى يتخلص الاب من ذلك العار ان يعتبر ابنه ميت وان ينصب صوانا يقبل فيه التعازى عن وفاة ولده فهو اعتبره ميت ووافقت الام على ذلك

وملاء الرجال الصوان جادين غير هازلين مقتنعين ان المصيبة تستحق الحزن ويجب العزاء، وكان حديثهم عن طغيان حميدو الفارس الذى لا يصده احد

وملاءت النساء دار المأتم لثلاث ايام متتالية لمشاركة الام فى الصياح واللطم ع الخدود

واصبح صاحب المأتم يتجول فى الحى بحرية تامة ويمر بداره وبذوى قرابته ولا يقرئهم السلام

وتدارك الله الوالدين بلطفه الخفى ، فتوفى الطفل فى نفس العام مريضا بالجدرى وخرجت جثته من المستشفى الميرى فى جنازة جديدة


عن الكاتب :

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *