مرحبا بكم فى موقع بحري نتمنى ان ينال رضاكم وأن تشاركونا قصصكم لنشرها معنا.

    رأس التين 

    لقد كان حي رأس التين المجاور للأنفوشي صورة طبق الاصل من عشش الترجمان القاهرية ، الرجال يرقصون القردة ،والنساء تسعى فى الازقة بالمعيز ترعى القمامة والاطفال يجمعون السبارس

    كانت اكثر مبانيهم مؤلفة من عشش الصفيح المرقعة بالخيش والأبراش يعلوها الدجاج والمعيز 
    وكان قسم كبير من هذه العشش يمتد فى شارع رأس التين الممتد الى السراي العامرة يتفرج عليه السفراء والقناصل فى كل تشريفة.

    الاجانب يقولون ما أبعد الفجوة بين الملك وشعبه ،
    والملك يقول ما أقربني من الشعب وما أقربه مني ،ولولا انى أحب الفقراء ما تركت اكواخهم حول قصري


    وأسوا ما كان يعرف عن أهل رأس التين هو الشجار الذي بين نسائهم

    النساء سافرات تقريبا،بعكس نساء الانفوشي والسيالة ،وأكثرهن كادحات يبعن البيض واللبن والفواكه التافة التى يعتزم تجار الفاكهة إلقاءها فى البحر.

    هؤلاء إذا اختصمن إستمرت خصومتهن أياما وليالى .
    فإذا بدأت الخصومة فى النهار واصلنها فى الليل وإذا إنقطعت فى الشارع واصلنها من فوق الأسطح
    والمعروف عن النساء عادة أنهن إذا اختصمن وترامين بالشتائم 
    تقف كل منهن عند حد لا تتعداه ،فلا تذكر إحداهن ما تعرفه عن أسرار الاخري لانها هى أيضا ذات أسرار وخبايا

    ولكن نساء رأس التين لا يتحرجن من كشف كل شئ، وتفصيل كل شئ وأسماء الاشخاص وتاريخ كل واقعة ،أين وقعت ومع من ؟والأدلة الدامغة والبراهين القاطعة ،كل هذا بتعابير يهتز لها عرش الرحمن وبألفاظ ترقص عليها الشياطين.

    كانت الخصومات مبارة بين إثنتين أيهما أقدر على إختراع المعانى الخبيثة وصوغها فى القوالب البشعة.

    وللمختصمات إشارات بالأذرع والأصابع والحواجب تفوق فى مدلولها ما يقال باللسان.
    وكانت بقية النساء يتفرجن على المبارة بشغف وإهتمام ليحكمن للبطلة المتفوقة.
    -           ياختى ..منجدة مش حمل السيدة أبدا
    -          صلى على النبي آمال، دى تأكل عشرة زيها وزي أبوها

    من هذا الحى جاء الفقيه الشيخ رجب إلى مدرسة الرشاد ليعلم أطفال السنة الاولى القرآن والنحو.
    فالقرآن يعرفه الجميع ولكن ما هذا النحو ؟
    وما معناه ؟ وما فائدته؟ لا أحد يعرف شيئا من هذا.

    ها هو الشيخ رجب فى جبته الصفراء التى أحالها الزمن الى عدة ألوان ،
    وعلى كتفيه شال أحمر تلتفح به النساء العجائز فى البيوت

    فيقول :جاء زيدن.جاء يا ولاد الكلب فعلن ماض،
     يا أوباش يا ولاد الأوباش مبنيٌون على الفتحة،الله لا يفتحها عليكم ولا على أهاليكم.

    كان الطفل يصغى اليه ولا يدري ما هو الفعلن ولا ما هو الماضي.
    ولكنه يميل على زميله ويقول.
    - ده لابس شال مرة
    - أسكت أحسن يضربنا كمان

                         بيرم التونسي
                             نشرت فى الجمهورية 1957

    شارك المقال
    Mohamed
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع بحري .

    مقالات متعلقة

    إرسال تعليق